سهيلة عبد الباعث الترجمان

770

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الإسباني بلاثيوس فجاء بما يبطل هذا الرأي ، وبما يدل على مدى تحقق ابن عربي بالعلم الوهبي دون إشراك الفكر فقال : وفي مثل هذه الظروف غير العادية صنّف ابن عربي كتاب " الحكمة الإلهية " وهو تفنيد لمذهب المشائين ، على نمط كتاب " تهافت الفلاسفة " للغزالي ، وفي مقدمته قوله : أنه بعد أن بدأ بتصنيفه مرض بوجع في دماغه وضعف في ذهنه ، ولكنه استفاد من هذا المرض استفادة عظيمة ، لأنه لم يسمح له بالتفكير في هذه المسائل الطبيعية والميتافيزيقية ، فألهمه اللّه حلّها دون تفكير ولا تأمل ولا نظر « 1 » . وكذلك شأن بعض من الدارسين لابن عربي ، المتأثرين بآراء المستشرقين ، فإنهم ينفون عنه فكرة مزج التصوف بالفلسفة ويرون فيه صوفيا كاملا ، أعطى التصوف حقه كاملا ، مبرّئين ساحته من المزج والخلط ، وفي هذا يقول أبو العلا عفيفي : " بينما يهيم الفيلسوف في ميدان العقل لا يبرحه ، يتجاوز الصوفي ميدان العقل إلى ميدان الإرادة أو ميدان الحرية المطلقة ، وبينما يظل الأول يدور في دائرته المغلقة يناقش ويحاور ويعترض ويفترض ، ولا يصل - إن وصل - إلّا إلى فكرة لا حياة فيها ولا روح ، حقيقة صورية محضة لا تتصل بنفسه بصلة ، يحيا الثاني في حياة روحية خصبة ، يشعر فيها بالسعادة العظمى ، لا من أجل معرفته الحقيقة فحسب ، بل من أجل اتصاله بها وشعوره بالاتحاد معها ، وفي هذا يقول قائلهم بلهجة المطمئن الواثق : ذق مذاق القوم ثم انظر ماذا ترى ، إن علومنا ذوقية محضة ، وعلينا أن ندلّك على الطريق وليس علينا إدراك النتائج فقد أتيناك فاعلين لا قائلين ولا مفكرين ، فدع عنك ثقتك العمياء في الحس والعقل ، ودع عنك غفلتك ، واعلم أن الفلسفة إن علمتك شيئا فقد علمتك نهاية الشوط الذي تستطيع أن تجري فيه في ميدان العقل ولكنها لا تخبرك شيئا عن الميادين الأخرى التي من استطاعتك أن تجري فيها « 2 » . لذلك فإننا نجد ابن عربي يطلب من الآخرين التصديق بكماله وصحة أقواله في كل ما جاء في مؤلفاته فقال : " عليك يا أخي بالتصديق والتسليم لهذه الطائفة ، ولا تتوهم مما يفسرون به الكتاب والسنّة . . . فافهم يا أخي لا يصدنّك عن تلقّي هذه المعاني الغريبة عن فهوم العلوم من

--> ( 1 ) بلاثيوس ( ميجيل أسين ) ، ابن عربي ( حياته ومذهبه ) ، مرجع سابق ، ص 85 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التصوف الثورة الروحية في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 17 .